Share on email
Share on twitter
Share on facebook
Share on whatsapp

كتاب مفتوح إلى محافظ بيروت، القاضي مراون عبود

حضرة المحافظ عبود، 

تفضلوا بقبول تهانيّ على تعيينكم محافظاً لبيروت. أكتب بصفتي مقيمة في بيروت، ومواطنة معنيّة، ومخططة حضرية تؤمن بأهمية منصبكم وتقر بثقل مسؤوليتكم. أكتب لأننا في حالة طوارئ، ولم يبق سوى قليل من الوقت قبل أن يفوتنا الأوان. أتقدّم، فيما يلي، بعشرة اقتراحات آمل أن تأخذوها على محمل الجد لأنها تعكس تطلعات العديد من سكان المدينة المتلهفين للتغيير الإيجابي.

1. الإحاطة بدوركم كمسؤول عام. فهذا اللقب الذي نلتموه، محافظ مدينة بيروت، يعهد لكم بالحفاظ على المدينة وجماهيرها وليس حفنة من المصالح الخاصة التي سيطرت على بيروت على مدى العقود الثلاثة الماضية. بصفتكم موظفًا مدنيًا، أرجو ألا يقضي دوركم بالموازنة بين المصالح الخاصة للأقلية والتطلعات السياسية للآخرين والتوازن الطائفي الدقيق الذي يفترض أنه يشكّل أساس مجتمعنا. أنتم وصي على الجمهور؛ جمهور العاصمة لبنان. هذا الجمهور ليس له طائفة بل تطلعات موحدة لمدينة صالحة للعيش تستجيب لاحتياجات ال 99٪ – وليس لمصالح ال 1٪. 


2. تعرفوا على المدينة بوصفها مساحة معاشة. ثمة شقة فارغة من بين كل خمس شقق في بيروت تقريباً. أصحاب هذه الشقق الشاغرة معفون من الضرائب وهم يستخدمونها كصناديق ودائع آمنة. وقد شجعتهم سياسات عديدة على اتباع هذا المسار. في الوقت نفسه، يعاني سكان المدينة من أزمة سكن واسعة النطاق تجبر الشباب على الهجرة، وترمي بالفقراء في ظروف صعبة بشكل خطير، وتلحق الضرر بالحياة الحضرية. السكن حق، وللبلدية القوة القانونية لدعم هذا الحق- يمكن البدء باستخدامها في هذا المجال. شقق بيروت ليست مجرد أصول وموارد يتمّ اكتنازها، إنها بالدرجة الأولى منازل ينقصها إلى سكان.

3. أعطوا الأولوية للإدارة المستدامة للنفايات الصلبة. الغوا الخطط الفاشلة لعلاجات سهلة ولكن مستحيلة، وتعاملوا بجدية مع الآلاف من دعاة حماية البيئة الذين يطالبون باستراتيجية شاملة للحدّ من النفايات وإعادة استخدامها وتدويرها. أنتم تحيون في واحدة من المدن القليلة في العالم حيث يقوم السكان بإعادة التدوير فيما تنتهي شاحنات التجميع بدمج النفايات الصلبة. عشرات المنظمات غير الحكومية مستعدة لدعمكم في هذه العملية. قد تضطرون إلى القبول بخيار غير مرغوب فيه بيئيًا بالنسبة ل 10٪ من نفاياتكم ، ولكن فلتبدءوا بـ 90٪. يقال أنها تستغرق وقتًا طويلاً، لكننا قد انتظرنا لفترة أطول!


4. إستثمروا بالنقل العام. تستثمر المدن في كل مكان بالبنية التحتية للمشاة بشكلٍ تتيح للناس المشي وركوب الدراجات والاعتماد على وسائل النقل العام. تشهد هذه المدن عائدات مذهلة على استثماراتها في صحة سكانها واقتصاداتهم. الغوا إلى الأبد خطط الطرق السريعة التي عفى عنها الزمن منذ وضعها في السيتينيات، بالإضافة إلى مباني وقوف السيارات الكريهة التي تظهر في صلب رؤية البلدية الحالية للتنقل الحضري، واستبدلوها بمشاريع التنقل السلس. إن أدراج بلديتكم مليئة بمثل هذه المقترحات كخطة التنقل اللينة وLiaison Douce والبصات السريعة Bus Rapid Transit ومحطات وقوف السيارات العامة عند نقاط الدخول المدينية. العديد من هذه المشاريع جاهز للتنفيذ؛ هو بحاجة فقط إلى نصير.

5. إستثمروا في المساحات الخضراء المفتوحة: حرش المدينة هو ثروة للجميع، وكذلك الحدائق الصغيرة والمساحات المتروكة. هي ليست مواقعاً لبناء المستشفيات أو مراكز الشرطة. إنها تشكّل البنية التحتية الصحية الوقائية للمدينة، كما رأينا في العديد من المدن الأخرى خلال جائحة COVID19. لكن في حين تشجع مدن أخرى سكانها على المشي في الهواء الطلق لممارسة الرياضة، فإن بيروت لا تضمّ سوى عدد قليل من المساحات المفتوحة لدرجة أنها إضطرت إلى إغلاق كورنيشها لتجنب الازدحام. نفّذوا مشروع Plan Vert المعلّق في مكتب الحاكم الحالي. فهو ليس لوحة للتزيين، بل مخطّط لمدينة تتمتّع بخضرة أكثر وصحة أفضل. شجعوا السكان على تنظيف وزراعة المساحات الفارغة في أحيائهم. حثوّا الشركات الخاصة على رعاية الحدائق العامة… ولكن لا تخصخصوا أيا منها. فقد حان الوقت للاستثمار في الجمهور.

6. إستخدموا شاطئ المدينة كأحد أصولها الرئيسية. فهذا الشاطئ هو عامل الجذب الاقتصادي الأوّل في بيروت وهو متنفس اجتماعي رائع. والبحر ليس إطلالة تباع من قبل المطورين الخاصين مقابل ملايين الدولارات غير الخاضعة للضريبة. البحر هو ثروة عامة مشتركة ينبغي أن تكون خالية من المخالفات، وأن يتمّ استعادة استمراريتها وشفافيتها، وتشجيع الأنشطة الاقتصادية ولكن فقط عندما تكون المتاجر والإستثمارات بعيدة عن البحر. لا تسمحوا بمنح أي رخصة بناء على العقارات المتاخمة للأملاك العامة البحرية في بيروت. القوانين في صفكم إن كنتم في صفّ الجمهور. صحيح أنه قد تمّ تشويه هذه القوانين، لكن تفسيراتها الصائبة منذ القانون الروماني تصبّ في مصلحة جمهور العوام. أنتم الأوصياء عليهم، لا تخذلوهم.


7. إعترفوا بأهمية الهوية الحضرية واحموا التراث الحضري للمدينة. لا تسمحوا لهم بتحويل بيروت، المدينة ذات الطبقات التاريخية المتعددة، إلى مشروع تطوير صحراوي آخر بدون ثقافة أو هوية. إن تراثنا الطبيعي والمبني، كما مطبخنا وموسيقانا، وكذلك المكتبات والمسارح الصغيرة هي ما جعل مدينتنا فريدة من نوعها. إنها خواص تميزنا عن العديد من الأماكن الأخرى. لم يبق سوى القليل جدا الذي يمكن إنقاذه، علينا التحرّك على الفور.

8. تعاملوا مع المدينة باعتبارها محركاً اقتصاديا. فقد أظهر العديد من الدراسات قدرة الاقتصادات الحضرية على دعم النمو الوطني. لتحقيق ذلك، تحتاج المدن إلى رؤية للتنمية. لقد بلغت يوتوبيا الخصخصة القائمة منذ التسعينيات نهايتها المنطقية: جوهر بيروت التاريخي، أي وسط المدينة، ليس سوى موقف سيارات ضخم. يهاجر الشباب حين تتوفر إمكانية المغادرة، ويحتج عندما يضطر على البقاء. اسعوا إلى أن تصبح هذه المساحات منتجة. احرصوا على أن تكون الفئة المستفيدة هي شريحة الشباب التائقون للعمل، واحظروا شتى أنواع الصفقات التي رأيناها في تشرين الأوّل الماضي عندما سلمت سوليدير الواجهة البحرية إلى حفنة من المصارف. فالاقتصاد الحضري الصحي يخلق وظائف ومساحات للعمل، ولا يبيع قطعًا من المدينة.

9. إعترفوا بالحوكمة بوصفها عملية مشتركة بالضرورة. تعدّ بيروت مدينة إستثنائية من حيث استفادتها من مئات الآلاف من السكان الذين ينتظرون نصيراً للجمهور، وهم مستعدّين لتقديم الدعم ومتحمسين لفضح ومحاربة أي شخص يعرقل مبادرات إعادة التدوير، وحماية المساحات الخضراء، وفتح الساحل، وتأمين الإسكان الميسور التكلفة، إلخ. المشاركة ليست تمرينًا أسبوعيًا لمدة ثلاث ساعات حيث يأتي الناس ليطلبوا منكم خدمات. الحوكمة المشتركة تحدث في المجال العام: من خلال حشد أصحاب المصلحة لحماية مستقبل المدينة من المصالح الخاصة للقلة، ووضع ترتيبات لجعل السكان مشاركين نشطين في صنع مستقبل مدينتهم، وتمكين الكثيرين الذين يرغبون باحداث تغيير.

10. تجنبوا، قدر المستطاع، المشاحنات المؤسفة للمجلس البلدي والمحافظ. سئم سكان المدينة من سماع اللوم المتبادل. من المؤكد أن المجلس يمكنه أن يؤدي دوراً أفضل، وأداؤه في الماضي كان شديد السوء. ارفضوا، مع ذلك، المبدأ القاضي بقيام المجلس البلدي بدفع عائدات إضافية للمخافظ كما يقال ان جرت العادة كي يتمكن من كسبه كحليف. بدلاً من ذلك، اصنعوا شراكة عمل. أنتم الطرف الأقوى في هذا الصدد، مارسوا القيادة للمضي قدما.

حضرة المحافظ، أعلم أن الكثيرين سيجدون من الحماقة أن أجرؤ على التعبير عن أي أمل في تحقيق نتائج إيجابية من خلال تعيينكم. لكن على الرغم من الأوقات العصيبة، أريد أن أصدق أن البؤس المتراكم في حياتنا اليومية يمكن التخلص منه بالشجاعة المذهلة والمرونة والمعرفة التي أظهرها العديد من مواطنينا. إن النوايا الحسنة والجهود البطولية للعديد من مجموعات المواطنين المدافعة عن المستقبل السليم بيئياً والمسؤول اجتماعياً هي تحت تصرف مكتبكم. نزل الآلاف إلى الشوارع خلال الأشهر الماضية، محمولين بإحباطهم من غياب ممثل عام قادر على الدفاع عن مطالبهم وتوجيه طاقاتهم لتحسين إمكانية العيش في مدينتهم. لديكم هنا مورداً قوياً للبناء عليه. انني اعتمد عليكم.


منى فواز، أستاذة في قسم الدراسات الحضرية والتخطيط في الجامعة الأميركية في بيروت